الشيخ محمد رشيد رضا
130
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عالية في البلاغة وهي عندنا الايذان بأن الجزاء لما كان أثرا لما يحدثه العمل في النفس من تزكية أو تدسية كان كأنه عين العمل فان النفس تنعم أو تعذب بالصفة التي تطبعها فيها الاعمال وبهذا يتجلى لك هنا معنى جعل جزاء المفترين على اللّه في التشريع وصفهم ولا سيما إذا جعل الوصف هنا بمعنى الصفة التي هي حالة النفس وصورتها ، وقد بينا هذا المعنى في التفسير مرارا . ومعنى الجملة مع تعليلها سيجزيهم اللّه بمقتضى حكمته في الخلق وعلمه بشؤونهم وأعمالهم ومناشئها من صفاتهم بان يجعل عقابهم عين ما يقتضيه وصفهم ونعتهم الروحي ، فان لكل نفس في الآخرة صفات بجعلها في مكان معين من عليين ، أو سجين في أسفل سافلين ، كما أن صفة الجسم السائل الخفيف تقتضي بسنن اللّه أن يكون فوق الجسم الثقيل كما ترى في الزيت إذا وضع في اناء مع الماء . وما يعرف الناس من درجات الحرارة في موازينها المعروفة مثال موضح للمراد فمنشأ الجزاء نفس الانسان باعتبار عقائدها وسائر صفاتها التي يطبعها العمل عليها . وإذا جعل الوصف مصدرا فلا بد من تقدير معموله كأن يقال سيجزيهم وصفهم لربهم بما جعلوا له من الشركاء في العبادة والتشريع ، أو وصف ألسنتهم الكذب بما افتروا عليه فيهما ( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ : هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) الآية . قال الزمخشري في مادة وصف الأساس : ومن المجاز وجهها يصف الحسن ، ولسانه يصف الكذب - وذكر هذه الآية ثم قال : وهذه ناقة تصف الادلاج . قال الشماخ إذا ما أدلجت وصفت يداها * لها الادلاج ليلة لا هجوع وفي روح المعاني ان الجملة كما قال بعض المحققين من بليغ الكلام وبديعه فإنهم يقولون : وصف كلامه الكذب - إذا كذب : وعينه تصف السحر أي ساحرة ، وقده يصف الرشاقة - بمعنى رشيق مبالغة حتى كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له . قال المعري سرى برق المعرة بعد وهن * فبات برامة يصف الملالا * * * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ ، قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ حاصل ما أنكر اللّه تعالى على مشركي العرب في هذا السياق يرجع إلى الامرين الفظيعين اللذين نعتهما عليهم هذه الآية وحكمت عليهم فيهما حكما حقا وعدلا وهو انهم خسروا بقتل أولادهم وبوأد البنات الآتي بيانه وغيره خسرانا عظيما دل عليه حذف مفعول خسروا الدال على العموم في بابه